ابن عبد البر
576
الاستذكار
الكذب ومن شأنه الكذب في ما أبيح له وفي ما لم يبح وهو أكثر من الكاذب لأن الكاذب يكون لمرة واحدة والكذاب لا يكون إلا للمبالغة والتكرار وليست هذه صفة المؤمن وأما قوله إن المؤمن قد يكون بخيلا وقد يكون جبانا فهذا معلوم بالمشاهدة معروف بالأخبار والمعاينة ولكن ليس البخل ولا الجبن من صفات الأنبياء ولا الجلة من الفضلاء لأن الكرم والسخاء من رفيع الخصال وكذلك النجدة والشجاعة وقوة النفس على المدافعة إذا كان ذلك في الحق ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ( 1 ) وقد ذكرت في التمهيد بإسناده عن الثوري عن منصور عن إبراهيم أنه ذكر عنده البخل فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ( 2 ) قال إبراهيم وسمعت علقمة والأسود يقولان قال عبد الله وأي داء أدوى من البخل قال أبو عمر قد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 3 ) وكان أبو حنيفة لا يجيز شهادة البخيل فقيل له في ذلك فقال إنه يحمله النقص على أن يأخذ فوق حقه قال وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ما استقصى كريم قط وأما الكذب والتشدد فيه موجود في الآثار المرفوعة عن السلف أيضا مثل ذلك وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة كذبها لا ندري على الله كذب أو في غير ذلك وقد حدثنا خلف بن أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا يونس بن وهب قال أخبرني محمد بن مسلم عن أيوب عن بن سيرين عن عائشة قالت ما كان شيء أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب وما أطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد بشيء من الكذب وإن قل فتخرج له من نفسه حتى يحدث توبة ( 4 )